السبت، 8 أكتوبر 2011

مقالاتي المنشورة بجريدة النور -1

  •  أميبية المفاهيم . . حصان طروادة ( 1 - 3 )



                   ثمة وباء ضرب المجتمع السياسي في مصر بشكل زلزالي , أدى إلى فوضى فكرية مستعرة , حصدت كل محاولات الفهم الجادة , و أضاعت طاقة الأصوات الهادئة المتأملة وسط أعاصير من اصوات الطرشان المتحاورين من بعض الأطراف , لتتحول حنجرة كل من الطرشان المتحاورين إلى مركز إعصاري يطيح بعيداً بجميع الأفكار غير عابئ بمعقوليتها , ليحتفظ دائماً في مركزه بعقل متقوقع القناعات و تأخذه العزة بجموده الفكري المدمر الذي ربما ارتدي ثوب الحداثة و الراديكالية .

    هذا الوباء هو الترويج لمصطلحات سياسية متخصصة "ذات أصول لغوية يونانية أو لاتينية ولكنها معربة " , و طرحها إعلامياً لغير المتخصصين أو المثقفين سياسياً , أي طرحها لغالبية الشعب و بشكل مكثف و ملح , لتعبر عن مفاهيم محورية و مواطن اختلاف إيديولوجي حرجة .

    حتى هنا لا مشكلة , لكن المشكلة أن تقدم هذه الاصطلاحات دون تقديم تعريفات محددة واضحة و حاسمة لهذه المصطلحات , أو حتى لما يريده من يطرحها و يتبناها إن احتج البعض بالتفاوت التنظيري بين التعريفات المختلفة لنفس المصطلح عند أهل الاختصاص .

    و مما يزيد الأمر خطورة هو الحرص على تقديم هذه المصطلحات دوماً في بيئة جدالية محتدمة اللغة من خلال البرامج الحوارية " الجدالية " حيث تكون رغبة البحث عن المعرفة فيها تائهة بين ترقب الجماهير المستثارة المستقطبة و تعطشها للصراخ للأكثر حجة و إفحاماً , حيث يعيد الأمر للأذهان هذا المشهد الهمجي للمتصارعين الرومانيين اللذين كان يجبر كل منهما على محاولة قتل الآخر لكل يستمر هو حياً , و ملايين الأفواه في الاستادات تصيح بآهات النشوى كلما وجه أحد المتصارعين ضربة موجعة للآخر , دون أن يتوقف أحد منهم للحظة سائلاً نفسه " ما جدوى هذه الفنتازيا المثيرة للغثيان؟"

    و المشكلة أن هذه المصطلحات هي نفسها ميدان السجال الحواري , و هي التي تؤدي لحالة من الاستقطاب بين رافضين و مؤيدين من ابناء الوطن , و هي التي تكون سواء من حيث القبول أو الرفض دليل الاتهام بل و مسوغ الحكم الذي يكون عادة بأقصى عقوبة , و تكون مناطاً للتخوين و التجهيل و الولاء و البراء .

    فمثلاً . . حينما تتحدث عن الليبرالية , تجد أن 95% على الأقل ممن يرددون  الكلمة آناء الليل و أطراف  النهار من غير المتخصصين , لا يستطيع أن يذكر لك خمس جمل مفيدة يتحدث بها عن الليبرالية , سواءً من جانب عوام أتباعها أو عوام رافضيها , عوام أتباعها الذين يختزلونها ببساطة مخلة في " الحرية " غير عالمين بما تحمله أصولها التنظيرية بين طياتها من مبادئ هم أول من سيرفضها لو علم بها و و غير عالمين بأن أرقى حرية مسؤولة هي الحرية التي دعا إليها و علمها الإسلام , وعوام رافضيها الذين يختزلها أغلبهم ببساطة مخلة في " الإباحية " غير منتبهين إلى أن بسطاء متبعي الليبرالية من غير المنظرين لها ومن بعض عوام شعبنا العظيم  , ذوو الثقافة المتدينة يرفضون من الليبرالية الجانب الذي لم يطلعوا عليه و الذي يصطدم مع الإسلام , و هم إنما فقط يظنون أنهم يدعون إلى (الحرية) و يالها من كلمة تأخذ الألباب , و يقرهم الإسلام على روعتها و جمالها إذا انضبطت بالدين .

    ثم تحدث الفاجعة , يجتمع هذان الطرفان النقيضان ظاهرياً , و دعواهما واحدة , يجتمعان في حوارات و سجالات مطولة , يتناوشون حول الليبرالية , الأول يدافع عن الليبرالية  و هو متعجب من عداء الثاني للحرية و الثاني يرفضها و يحاربها بقوة و هو مشمئز من دفاع الأول عن الإباحية .
    و يتحول الحوار إلى حوار عبثي بين طرفين , كوميديا سوداء فاجعة , فكلاهما محب للحرية و كاره للإباحية , و كلاهما يحارب في الآخر عدواً لا يوجد إلا في خياله .

    • و حينما يذكر مصطلح "الدولة الدينية" , تجد فريقاً من عوام من يرفضونها , ولا أقول من المنظرين لهذا الرفض , هذا الفريق يرفض الدولة الدينية رفضاً شديداً مستحضراً في ذهنه تلك الدولة الثيوقراطية " التي خدعوة فترجموا له اصطلاحها على أنه دولة دينية بينما الترجمة الحرفية للاصطلاح دولة لاهوتية , و هو ما لا وجود له أصلاً في تاريخ الإسلام " , فهو يرفض أن يكون الحاكم مفوض من قبل الإله في الحكم و من ثم يكون الحاكم هو مصدر التشريع , و يكون ظلمه عدلاً , و عدله تفضلاً , و يحكم رجال الدين " كما حاكم الفاتيكان اوروبا في عصور الظلام " , و على الجانب اخر تجد من يدافع من العوام عن الدولة الدينية و هو مستحضر في ذهنه أنها دولة الإسلام , التي لا تؤله البشر , و التي تجعل الحاكم أجيراً عند الأمة و ليس مشرعاً , فهو تحت القانون , و هو فقط يطبق هذا القانون العادل الذي يسري عليه قبل أن يسري على الأمة , و إن حاد عن هذا القانون المعروف للجميع , يؤاخذ و يسأل , دولة الإسلام التي تمثل أول معرفة للبشر بدولة القانون بشكل ملزم .


      ثم تحدث الفاجعة , يجتمع هذان الطرفان النقيضان ظاهرياً , و دعواهما واحدة , يجتمعان في حوارات و سجالات مطولة , يتناوشون حول الدولة الدينية , الأول يدافع عن الحرية و يكره الاستبداد  و هو متعجب من تمسك الثاني بها  و الثاني يدافع عن العدل و الحرية و يحارب استبداد البشر و تشريعه بالهوى وهو مشمئز من رفض الثاني للشريعة .

      و يتحول الحوار إلى حوار عبثي بين طرفين , لتزداد الكوميديا السوداء سواداً و فجاجة .


      ومع تكرار المشهد , تحدث حالة استقطاب و شرخ مجتمعي , تدمر وحدة المنطلق و الهدف , و تدفع بجموع الشعب المنقادة بالعقل الجمعي المضلل , في مشهد سينمائي هوليودي من تشكيل دائري جماعي متمركز حول مصلحة الوطن , لتحدث إعادة ترتيب لهذه الجموع متباعدة عن المركز الأصيل , و منقادة نحو قطبين و هميين سرعان ما يجتذبان الجموع التائهة المعماة وسط ضبابية الاصطلاح المصطنع , إلى ان يصبح المشهد أقرب إلى مشاهد اصطفاف الجيشين قبل معركة الحسم .

    و تحدث اعتصامات و  . . تظاهرات , و تراشق و تخوين و افتراء  تلعب فيه أجهزة الإعلام الخاصة دور الشيطان الرجيم .

    لكن . . بين هذين الطرفين . . و خلف ستار الإعلام لابد من طرف ثالث . . يحرص على هذه الفوضى . . فمن هو ؟
    في هذه السلسلة من المقالات , نحاول إجابة هذا السؤال و بيان كل مصطلح من المصطلحات محل الاستقطاب بين ما يراد به , و ما يروج له .

    فتش عن المستفيد . . تجد  الفاعل :

    إن المتامل لهذه الظاهرة يجد أنه لابد من أن هناك طرف ثالث دائماً بين كل طرفي سجال فكري من هذا النوع , و في حالتنا تلك لا بد أن هذا الطرف  هو من يسعى لتكريس حالة الاستقطاب  في المجتمع المصري, من خلال هذه الفوضى الاصطلاحية , ومن خلال ضبابية مفاهيمها , بل و يعمل على نسف أي محاولة لتحرير هذه المصطلحات قد تقود بدورها إلى حالة من التوافق المجتمعي و هدوء الخواطر اللملتهبة  دائماً بين الأضداد  .


    و لا يحتاج المرء إلى كثير ذكاء و تأمل حتى يعرف أن هذا الطرف الثالث . . و من ثم المستفيد . .
    لا بد أن يكون هو الطرف الأعلى صوتاً و قدرة على إيصال ما يريد للجموع الثائرة , و حجب ما يريد عنها , و قتما شاء و كيفما شاء.
     إنه الطرف الأكثر نفيراً إعلامياً , و الأقل ظهوراً بين الجماهير الغاضبة .

    الذي يسيطر على وسائل الإعلام و يسخرها لإجهاض اي محاولة لتحرير هذه المصطلحات , أو لتهدئة الخواطر .
    بل و يسعى للصراخ دائماً من خلال آلته الإعلامية لإخفاء الصوت الآخر دائماً إن كان في ظهوره وحدة مجتمعية جديدة حول مصلحة الوطن .

    و إذا كان ذلك كذلك , فلا بد أن نسلم أيضاً أن هذا الطرف بالضرورة , لابد و أنه الأكثر ثراءً ذاتياً أو تمويلاً من أطراف خارجية , لأن الإعلام صناعة تحتاج في نجاحها إلى إمكانات دول و ليس إمكانات افراد .
    و الواقع الإعلامي يشهد بذلك .

  • و هذا الطرف الثالث أدعي , مستصحباً الأدلة و القرائن أنه " النخبة المصطنعة " أو " المتنخبوين "
  • هذا ما نحاول استقراءه في المقال القادم إن شاء الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق