أميبية المفاهيم . . حصان طروادة ( 1 - 3 )
ثمة وباء ضرب المجتمع السياسي في مصر بشكل زلزالي , أدى إلى فوضى فكرية مستعرة , حصدت كل محاولات الفهم الجادة , و أضاعت طاقة الأصوات الهادئة المتأملة وسط أعاصير من اصوات الطرشان المتحاورين من بعض الأطراف , لتتحول حنجرة كل من الطرشان المتحاورين إلى مركز إعصاري يطيح بعيداً بجميع الأفكار غير عابئ بمعقوليتها , ليحتفظ دائماً في مركزه بعقل متقوقع القناعات و تأخذه العزة بجموده الفكري المدمر الذي ربما ارتدي ثوب الحداثة و الراديكالية .هذا الوباء هو الترويج لمصطلحات سياسية متخصصة "ذات أصول لغوية يونانية أو لاتينية ولكنها معربة " , و طرحها إعلامياً لغير المتخصصين أو المثقفين سياسياً , أي طرحها لغالبية الشعب و بشكل مكثف و ملح , لتعبر عن مفاهيم محورية و مواطن اختلاف إيديولوجي حرجة .حتى هنا لا مشكلة , لكن المشكلة أن تقدم هذه الاصطلاحات دون تقديم تعريفات محددة واضحة و حاسمة لهذه المصطلحات , أو حتى لما يريده من يطرحها و يتبناها إن احتج البعض بالتفاوت التنظيري بين التعريفات المختلفة لنفس المصطلح عند أهل الاختصاص .و مما يزيد الأمر خطورة هو الحرص على تقديم هذه المصطلحات دوماً في بيئة جدالية محتدمة اللغة من خلال البرامج الحوارية " الجدالية " حيث تكون رغبة البحث عن المعرفة فيها تائهة بين ترقب الجماهير المستثارة المستقطبة و تعطشها للصراخ للأكثر حجة و إفحاماً , حيث يعيد الأمر للأذهان هذا المشهد الهمجي للمتصارعين الرومانيين اللذين كان يجبر كل منهما على محاولة قتل الآخر لكل يستمر هو حياً , و ملايين الأفواه في الاستادات تصيح بآهات النشوى كلما وجه أحد المتصارعين ضربة موجعة للآخر , دون أن يتوقف أحد منهم للحظة سائلاً نفسه " ما جدوى هذه الفنتازيا المثيرة للغثيان؟"و المشكلة أن هذه المصطلحات هي نفسها ميدان السجال الحواري , و هي التي تؤدي لحالة من الاستقطاب بين رافضين و مؤيدين من ابناء الوطن , و هي التي تكون سواء من حيث القبول أو الرفض دليل الاتهام بل و مسوغ الحكم الذي يكون عادة بأقصى عقوبة , و تكون مناطاً للتخوين و التجهيل و الولاء و البراء .فمثلاً . . حينما تتحدث عن الليبرالية , تجد أن 95% على الأقل ممن يرددون الكلمة آناء الليل و أطراف النهار من غير المتخصصين , لا يستطيع أن يذكر لك خمس جمل مفيدة يتحدث بها عن الليبرالية , سواءً من جانب عوام أتباعها أو عوام رافضيها , عوام أتباعها الذين يختزلونها ببساطة مخلة في " الحرية " غير عالمين بما تحمله أصولها التنظيرية بين طياتها من مبادئ هم أول من سيرفضها لو علم بها و و غير عالمين بأن أرقى حرية مسؤولة هي الحرية التي دعا إليها و علمها الإسلام , وعوام رافضيها الذين يختزلها أغلبهم ببساطة مخلة في " الإباحية " غير منتبهين إلى أن بسطاء متبعي الليبرالية من غير المنظرين لها ومن بعض عوام شعبنا العظيم , ذوو الثقافة المتدينة يرفضون من الليبرالية الجانب الذي لم يطلعوا عليه و الذي يصطدم مع الإسلام , و هم إنما فقط يظنون أنهم يدعون إلى (الحرية) و يالها من كلمة تأخذ الألباب , و يقرهم الإسلام على روعتها و جمالها إذا انضبطت بالدين .
ثم تحدث الفاجعة , يجتمع هذان الطرفان النقيضان ظاهرياً , و دعواهما واحدة , يجتمعان في حوارات و سجالات مطولة , يتناوشون حول الليبرالية , الأول يدافع عن الليبرالية و هو متعجب من عداء الثاني للحرية و الثاني يرفضها و يحاربها بقوة و هو مشمئز من دفاع الأول عن الإباحية .و يتحول الحوار إلى حوار عبثي بين طرفين , كوميديا سوداء فاجعة , فكلاهما محب للحرية و كاره للإباحية , و كلاهما يحارب في الآخر عدواً لا يوجد إلا في خياله .- و حينما يذكر
مصطلح "الدولة الدينية" , تجد فريقاً من عوام من يرفضونها , ولا أقول من
المنظرين لهذا الرفض , هذا الفريق يرفض الدولة الدينية رفضاً شديداً
مستحضراً في ذهنه تلك الدولة الثيوقراطية " التي خدعوة فترجموا له اصطلاحها
على أنه دولة دينية بينما الترجمة الحرفية للاصطلاح دولة لاهوتية , و هو
ما لا وجود له أصلاً في تاريخ الإسلام " , فهو يرفض أن يكون الحاكم مفوض من
قبل الإله في الحكم و من ثم يكون الحاكم هو مصدر التشريع , و يكون ظلمه
عدلاً , و عدله تفضلاً , و يحكم رجال الدين " كما حاكم الفاتيكان اوروبا في
عصور الظلام " , و على الجانب اخر تجد من يدافع من العوام عن الدولة
الدينية و هو مستحضر في ذهنه أنها دولة الإسلام , التي لا تؤله البشر , و
التي تجعل الحاكم أجيراً عند الأمة و ليس مشرعاً , فهو تحت القانون , و هو
فقط يطبق هذا القانون العادل الذي يسري عليه قبل أن يسري على الأمة , و إن
حاد عن هذا القانون المعروف للجميع , يؤاخذ و يسأل , دولة الإسلام التي
تمثل أول معرفة للبشر بدولة القانون بشكل ملزم .
ثم تحدث الفاجعة , يجتمع هذان الطرفان النقيضان ظاهرياً , و دعواهما واحدة , يجتمعان في حوارات و سجالات مطولة , يتناوشون حول الدولة الدينية , الأول يدافع عن الحرية و يكره الاستبداد و هو متعجب من تمسك الثاني بها و الثاني يدافع عن العدل و الحرية و يحارب استبداد البشر و تشريعه بالهوى وهو مشمئز من رفض الثاني للشريعة .و يتحول الحوار إلى حوار عبثي بين طرفين , لتزداد الكوميديا السوداء سواداً و فجاجة .
ومع تكرار المشهد , تحدث حالة استقطاب و شرخ مجتمعي , تدمر وحدة المنطلق و الهدف , و تدفع بجموع الشعب المنقادة بالعقل الجمعي المضلل , في مشهد سينمائي هوليودي من تشكيل دائري جماعي متمركز حول مصلحة الوطن , لتحدث إعادة ترتيب لهذه الجموع متباعدة عن المركز الأصيل , و منقادة نحو قطبين و هميين سرعان ما يجتذبان الجموع التائهة المعماة وسط ضبابية الاصطلاح المصطنع , إلى ان يصبح المشهد أقرب إلى مشاهد اصطفاف الجيشين قبل معركة الحسم .
و تحدث اعتصامات و . . تظاهرات , و تراشق و تخوين و افتراء تلعب فيه أجهزة الإعلام الخاصة دور الشيطان الرجيم .لكن . . بين هذين الطرفين . . و خلف ستار الإعلام لابد من طرف ثالث . . يحرص على هذه الفوضى . . فمن هو ؟
في هذه السلسلة من المقالات , نحاول إجابة هذا السؤال و بيان كل مصطلح من المصطلحات محل الاستقطاب بين ما يراد به , و ما يروج له .
فتش عن المستفيد . . تجد الفاعل :
إن المتامل لهذه الظاهرة يجد أنه لابد من أن هناك طرف ثالث دائماً بين كل طرفي سجال فكري من هذا النوع , و في حالتنا تلك لا بد أن هذا الطرف هو من يسعى لتكريس حالة الاستقطاب في المجتمع المصري, من خلال هذه الفوضى الاصطلاحية , ومن خلال ضبابية مفاهيمها , بل و يعمل على نسف أي محاولة لتحرير هذه المصطلحات قد تقود بدورها إلى حالة من التوافق المجتمعي و هدوء الخواطر اللملتهبة دائماً بين الأضداد .
و لا يحتاج المرء إلى كثير ذكاء و تأمل حتى يعرف أن هذا الطرف الثالث . . و من ثم المستفيد . .لا بد أن يكون هو الطرف الأعلى صوتاً و قدرة على إيصال ما يريد للجموع الثائرة , و حجب ما يريد عنها , و قتما شاء و كيفما شاء.إنه الطرف الأكثر نفيراً إعلامياً , و الأقل ظهوراً بين الجماهير الغاضبة .الذي يسيطر على وسائل الإعلام و يسخرها لإجهاض اي محاولة لتحرير هذه المصطلحات , أو لتهدئة الخواطر .بل و يسعى للصراخ دائماً من خلال آلته الإعلامية لإخفاء الصوت الآخر دائماً إن كان في ظهوره وحدة مجتمعية جديدة حول مصلحة الوطن .و إذا كان ذلك كذلك , فلا بد أن نسلم أيضاً أن هذا الطرف بالضرورة , لابد و أنه الأكثر ثراءً ذاتياً أو تمويلاً من أطراف خارجية , لأن الإعلام صناعة تحتاج في نجاحها إلى إمكانات دول و ليس إمكانات افراد .و الواقع الإعلامي يشهد بذلك .- و حينما يذكر
مصطلح "الدولة الدينية" , تجد فريقاً من عوام من يرفضونها , ولا أقول من
المنظرين لهذا الرفض , هذا الفريق يرفض الدولة الدينية رفضاً شديداً
مستحضراً في ذهنه تلك الدولة الثيوقراطية " التي خدعوة فترجموا له اصطلاحها
على أنه دولة دينية بينما الترجمة الحرفية للاصطلاح دولة لاهوتية , و هو
ما لا وجود له أصلاً في تاريخ الإسلام " , فهو يرفض أن يكون الحاكم مفوض من
قبل الإله في الحكم و من ثم يكون الحاكم هو مصدر التشريع , و يكون ظلمه
عدلاً , و عدله تفضلاً , و يحكم رجال الدين " كما حاكم الفاتيكان اوروبا في
عصور الظلام " , و على الجانب اخر تجد من يدافع من العوام عن الدولة
الدينية و هو مستحضر في ذهنه أنها دولة الإسلام , التي لا تؤله البشر , و
التي تجعل الحاكم أجيراً عند الأمة و ليس مشرعاً , فهو تحت القانون , و هو
فقط يطبق هذا القانون العادل الذي يسري عليه قبل أن يسري على الأمة , و إن
حاد عن هذا القانون المعروف للجميع , يؤاخذ و يسأل , دولة الإسلام التي
تمثل أول معرفة للبشر بدولة القانون بشكل ملزم .
-
و هذا الطرف الثالث أدعي , مستصحباً الأدلة و القرائن أنه " النخبة المصطنعة " أو " المتنخبوين "
- هذا ما نحاول استقراءه في المقال القادم إن شاء الله
" أكثر ما أعشقه في حواري مع الآخر . . هو أن يهديني الله لما قد يكون عنده من حق حجبه عني رأي غير موفق . . و أن يهديه الله لما قد يكون عندي من حق حجبه عنه مثل ذلك "
أقسام المدونة
السبت، 8 أكتوبر 2011
مقالاتي المنشورة بجريدة النور -1
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق