‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالاتي المنشورة بجريدة النور. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالاتي المنشورة بجريدة النور. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 25 أكتوبر 2011

أميبية المفاهيم . . حصان طروادة ( 2 - 3 ) [ لم يتم نشره بجريدة النور ]


رحاب صبري يكتب :
أميبية المفاهيم . . حصان طروادة ( 2 - 3 )

في مقالنا الماضي تحدثنا عن أمبيبة المفاهيم و هي  حالة نشر اصطلاحات سياسية يونانية أو لاتينية تمس جوانب جوهرية في الضمير و العقل الجمعي من خلال النخبة المصطنعة عبر الإعلام , مع تكريس مروجيها أنفسهم لحالة من الغموض حول تفسيراتها , ليستقر بين عوام الشعب ظنون و أوهام متضادة حول مضمون المصطلح الواحد  وضبنا مثالين لذلك هما ( مصطلح الدولة الثيوقراطية و هل هي الدولة اللاهوتية التي يحكم فيها شخص تشريعه يكون إلهي أم الدينية التي يمكن ان يكون منها الدولة الإسلامية التي ترى أن الحاكم ليس مشرعاً و ليس مفوضاً من الإله و إنما منفذاً لتشريع مسبق وهو جوهر ما بات يعرف حديثاً بدولة القانون ) و كذلك ( مصطلح الليبرالية و هل هي الحرية المنضبطة أم الحرية الحيوانية ) و أثبتنا بالقرائن أن هذه الحالة حالة مقصودة من ميوعة التعريف للمصطلح بشكل يجعله حملاً للتأويلات شديدة التباين , بل و مظلة يخفي بعض مروجي هذه المصطلحات من النخبة المصطنعة تحتها ما لا يحبون إظهاره , بحيث يحتفظ كل طرف من أطراف الجماعة الوطنية في ذهنه بانطباعه خاص عن هذا المصطلح و بفهمه المتفرد له ,و لايتفق طرفان على نفس الصورة الذهنية عن المصطلح نفسه , مما يكرس لحالة التشرذم الفكري و الاستقطاب السياسي الوهمي في المجتمع المصري , هذا المجتمع الذي إن ترك لحالة الوضوح فلن يحدث فيه أي استقطاب بحكم أنه مجتمع " النسيج الواحد " و اللون الواحد المزين بخيوط رفيعة من الأقليات التي لا تزيد منظره إلا بهاءً و جمالاً كأحد أروع نماذج الالتحام الإنساني على المثل العليا المشتركة منذ الفتح الإسلامي و حتى يومنا هذا , رغم محاولات خرق هذا النسيج باصطناع القلاقل و الفتن الوهمية قبل الثورة بغباء المستبد الدكتاتور , و بعد الثورة بخبث النخبة المصطنعة كما نثبت في هذا المقال .

محاولة تقصي الحقائق
نجد أن عددة أمور هامة لا تمر أبداً دون أن تصفع ظلالها عين المراقب للساحة السياسية المصرية
الأول / اتجاه قطبية المجتمع :
لقد افصحت نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية عن حالة من الاستقطاب في المجتمع المصري يمكن أن نسميها ( الاستقطاب المخروطي ) تتمثل  هذه الظاهرة في مجتمع تحول من مجتمع متجانس ليصبح بفعل الاستقطاب أشبه بالمخروط , " قاعدته العريضة تمثل الإسلاميين و المتعاطفين معهم حباً في الدين " و " سنه المدبب الصغير يمثل " النخبة المصطنعة و بعض الليبراليين و المنبهرين بغموض اصطلاحات " و هذا السن المدبب على صغره , كان الأكثر وخزاً في جسد الوطن , و الأعلى ضجيجاً بفعل البوق الإعلامي المجلل , الذي  دأب على تكبير نحنحة أحدهم حتى لتبدو و كأنها زئير شعب ثائر .
الثاني / تحديد نقطة بدء صناعة الضبابية :
إن أول من أدخل هذه الاصطلاحات الغريبة إلى المجتمع المصري هو الإعلام , و ظلت تلك الاصطلاحات حتى حراك الثورة مقصورة على النخب و محاوراتها , الحوارات التي كانت قبل الثورة تشبه عند المصري مزاح الدببة في القطب المتجمد في برامج عالم الحيوان ,لا يعبأ به الكادحون تحت قيظ الشمس المحرقة إلا من باب التسلية في وقت الراحة ,هذا إلم تتوافر مادة درامية يشاهدونها في أي قناة اخرى.
لكن بعد الثورة حدث تغير هو الأهم , إذ سمح المناخ الثوري , و حالة الشبق لممارسة الحرية السياسية و الحوار السياسي غير المقيد , و التي طالما اعتبرت مجرد خيالات يحكيها القادمون من بلاد العالم الغربي ليستمع لها المصريون مذهولين , فانطلقت الجموع بقوة رد الفعل محاولة البحث عن أي شكل من اشكال تعويض العمر المفقود بعيداً عن السياسة .
 و هنا ثار بركان الاصطلاحات السياسية على وسائل الإعلام بشكل ملح على الأسماع و العقول , مع التركيز على مصطلحات بعينها , و جعلها مناطاً للتجهيل و التخوين , مع الحفاظ على ضبابية مدلولاتها , فوجد كثير من الناس ضالتهم في تكلف التشدق بالاصطلاح السياسي و ترديده , شريطة طبعاً أن يكون ذو اصول غربية , و يكون الأمر أكثر إثارة , إذا كان المصطلح غامضاً.
إن هذا المرض - أعني التشدق بالاصطلاحات - هو من أمراض من يسمون أنفسهم او تسميهم أجهزة الإعلام  " النخبة " و من ثم فهم المصدر الأول لهذا المرض بلا منازع .
قد قول قائل : " ربما كان الأمر عفوياً " , اعني أنهم هم مصدر الاصطلاح , لكنهم لم يكرسوا لتلك الحالة التي و صفناها آنفاً .
أقول كان من الممكن أن يكون هذا الكلام صحيحاً إذا كانت " النخبة  " قد لعبت الدور الأسمى الذي يفترض بالمثقف لعبه في المراحل الدقيقة من حياة الأمة ,  الا وهو إيضاح الحقائق للناس , و قيادتهم نحو فهمها فهماً دقيقاً صحيحاً . . لكن هل لعبت النخبة مثل هذا الدور ؟
الإجابة لا .
بل على العكس و جدنا في الأمر ظاهرتين مريبتين بشكل مريب .
الأولى / أن النخبة الحقيقية - أهل الاختصاص والاعتدال الفكري -  قد تم تهميشها إعلامياً لتسلط الأضواء على " متنخبوين " جدد .و القاسم المشترك بين هؤلاء التنخبوين الجدد أنهم جميعاً " ليبراليون متطرفون " و " رأس ماليون أو تابعون لراس المال " .
لقد تم تهميش فقهاء قانون مثل " الدكتور طارق البشري " لمجرد أنه " مفكر إسلامي " و كذلك الدكتور معتز عبد الفتاح و الدكتور عبد الفتاح ماض أستاذي العلوم السياسية , ليستبدلوا مثلاً بـ (مهندس) يتحدث بشكل " سوبرماني " في الدين و العلم و السياسة و القانون و حتى ربما في وصفات المطبخ " الأمريكي ".
ولكي تكتمل الصورة جزئياً , فهذا الرجل هو رجل ينفق على التظاهرات و الاعتصامات التي تقوم بها قلة من الشباب تروج لمفاهيم مرفوضة مجتمعياً مثل ( الدستور أولاً ) و ( المبادئ الحاكمة ) و ( المجلس الرئاسي ) , ينفق  مبالغ طائلة ,حتى أن الرجل يمنح " فيلا " لموظف عنده , لا تتعجل و تقول ياله من رجل خير .
 فإن هذا الموظف هو مؤسس أحد أكبر الحركات الشبابية التي يروج لها إعلامياً بذكاء شديد , و التي لا يزال ملف تمويلها محل تساؤل لا إجابة له ( مع كامل التقدير لاغلبية الشباب الشرفاء المنضوين تحت لواء هذه الحركة من أجل الوطن ).

لقد استغل "المهندس" قائد الحركة " الموظف " ليصنعوا أحد العجائب في تاريخ السياسة .
لقد استطاعا أن يجبرا المجلس العسكري أن يوكل إلى " الدكتور" صهر "المهندس" وحده عملية وضع أخطر وثيقة تكون فوق اي برلمان يحكم مصر إلى ما شاء الله , وهو الذي كان مجرد رئيس حزب قديم أقره النظام القمعي القديم قبل أن تتم الإطاحة به من رئاسة حزبه , وهو معروف بعدائه الشديد للمرجعية الإسلامية .
فالمهندس حرك الموظف فثارت الحركة . . و كان المصطلح المطروح الذي تم الحشد  على اساسه في هذه اللحظة " دماء الشهداء " , فاعتصمت الحركة , و حولها بضع آلاف من الشباب . . و اهالي الشهداء , و فوجئوا بأن الإعلام صبغ صورتهم بمطالب مثل ( الدستور أولاً ) و ( المبادئ الحاكمة ) و ( المجلس الرئاسي ) , و كأن هؤلاء جميعاً خرجوا من أجل هذه المطالب .
ولم تلبث أجهزة الإعلام بعد انفضاض الناس عن هذه الاعتصامات عند اكتشاف الخدعة أن تضخم  صراخ و عويل من تبقى من الشباب اللذين طالبوا بمطالب يرفضها عشرات الملايين و كانه هبة شعبية , و ثورة أمة, , يجب على المجلس العسكري الانصياع لها مثل ( الدستور أولاً ) و ( المبادئ الحاكمة ) و ( المجلس الرئاسي ) .
هؤلاء هم الـ "  المتنخبوين " اللذين حركوا أجهزة الإعلام , و منهم " مثلث برمودا "( المهندس و موظفه و صهره الدكتور " .
 بل لقد تم إقصاء حتى الأصوات المعتدلة من الليبراليين من أمثال " الدكتور عمرو حمزاوي و الدكتور مصطفى النجار " ليحل محلهما " الدكتور خالد منتصر الذي قال " إيه اللي دخل ربنا في السياسة " و الدكتور " عمار علي حسن " الذي أتحفنا بما لم يأت به الأوائل يوم أن قال إن الرسول لم يكن حاكماً للمسلمين و لا قائداً , و كذا "الدكتور علاء الأسواني " الذي تحتاج كتاباته عن الإسلاميين جمهور قراء في مستوى أبطال روايته الشهيرة ( عمارة يعقوبيان ).
الظاهرة الثانية :
أن هذه النخبة هي نفسها التي تحالفت مع راس المال , و مولت مشاريع إعلامية  لا تقدر عليها إلا دول و منظمات , و في عدة شهور من قيام الثورة ظهرت عشرات الفضائيات  الجديدة  و الصحف الورقية و الصحف الإلكترونية , و حصل صحفي واحد من رموز التيار المتنخوب على جائزتين دوليتين أحدهما من بريطانيا . . و أسس قناة ثارت حولها شبهات كثيرة أدت أخيراً لاستقالة اثنين من الشركاء في تأسيسها من مجلسها .
فهل هذا كان عفوياً , أم أنها إرادة النخبة بما تملكه من مال و إعلام لاهث و راء المال يدافع عن إيديولوجية مدججة بالبنكنوت .
شهادة خبير إعلامي :
اقتبس هنا تصريحات الخبير الإعلامي اللامع طارق نور لجريدة الشرق الأوسط بتاريخ 21 يوليو 2011عن كم الفضائيات و الجرائد التي أطلقت بعد 25 يناير :
يقول " أن الصحافة والإعلام يعدان الآن أكبر جيش في أي بلد، لأنه يؤثر على الرأي العام "، وقال: "لا يوجد هناك رأي عام، الرأي العام هو الرأي المنشور، الرأي العام الموجود هو يعبر عن رأي النخبة المحدودة وخاصة الصحافية"
"وسائل الإعلام الخاصة الجديدة خاصة القنوات الفضائية تعد وسيلة دفاع شرعية لأصحاب النفوذ من رجال الأعمال والسياسيين وجماعات المصالح"
و أوضح نور أن عمل القنوات الفضائية هذه ليس لها علاقة بالتجارة أو الاقتصاد أو حسابات الربح والخسارة، بل هي أجندة مختلفة تتعلق بالسياسة والمصالح، وهذه الأجندة تأخذ وجهين: الأول أن يدافع رجل الأعمال عن نفسه، والثاني لكي يغير شيئا ما في المجتمع لصالحه أيضا

و بعد هذه الشهادة من طرف متخصص محايد , هل يمكن الاعتقاد بأن المسألة مجرد تجاذب عفوي تلقائي بين أطراف عدة لم تحسن فهم الاصطلاحات المتخصصة مما أدى لحالة استقطاب تهدد أمن المجتمع المصري؟ , أقول لهم إن الأمر ليس بهذه السطحية , و إلى من يسمي هؤلاء بالنخبة , في ظل فوضى المصطلحات اقول لا تظلموا النخبة , فالنخبة الحقيقية أقصيت و استبدلت بنخبة وهمية مصنوعة أو " متنخوبة ", و هذه النخبة "  المتنخوبة " ما هم إلا قطع شطرنج بائسة , لا تملك أن تقف في الرقعة إلا على المربع الذي توضع فيه بواسطة قوة أكبر .
هؤلاء "المتنخبوين" هم أتباع إيديولوجياً و مادياً لسيد غائب ظاهرياً عن المشهد يقبع خلف البحار لاهم له إلا حماية مصالح طفله المدلل إسرائيل , و هذا الطرف هو الذي يحركهم كدمى لضرب لحمة ووحدة الشعب المصري .

هذا الطرف الأخير هو الذي يحرص على حدوث الاضطرابات دائماً لتحقيق أحد المكاسب المحتملة ومنها أن يدفع المجلس العسكري دفعاً لفرض الأحكام العرفية و إلغاء الانتخابات , مما يؤدي لتأخير التسليم السلمي للسلطة , الذي يتضمن انتخابات تأتي غالباً بالإسلاميين الذين يأبى السيد  القابع خلف الستار أن يقدموا مشروعهم للنهضة في مصر .
و في المقال القادم بعد تقديم المشيئة علقي الضوء بعض هذه المصطلحات لنبين فيها القول الفصل الذي يراد إخفاؤه .

السبت، 8 أكتوبر 2011

مقالاتي المنشورة بجريدة النور -1

  •  أميبية المفاهيم . . حصان طروادة ( 1 - 3 )



                   ثمة وباء ضرب المجتمع السياسي في مصر بشكل زلزالي , أدى إلى فوضى فكرية مستعرة , حصدت كل محاولات الفهم الجادة , و أضاعت طاقة الأصوات الهادئة المتأملة وسط أعاصير من اصوات الطرشان المتحاورين من بعض الأطراف , لتتحول حنجرة كل من الطرشان المتحاورين إلى مركز إعصاري يطيح بعيداً بجميع الأفكار غير عابئ بمعقوليتها , ليحتفظ دائماً في مركزه بعقل متقوقع القناعات و تأخذه العزة بجموده الفكري المدمر الذي ربما ارتدي ثوب الحداثة و الراديكالية .

    هذا الوباء هو الترويج لمصطلحات سياسية متخصصة "ذات أصول لغوية يونانية أو لاتينية ولكنها معربة " , و طرحها إعلامياً لغير المتخصصين أو المثقفين سياسياً , أي طرحها لغالبية الشعب و بشكل مكثف و ملح , لتعبر عن مفاهيم محورية و مواطن اختلاف إيديولوجي حرجة .

    حتى هنا لا مشكلة , لكن المشكلة أن تقدم هذه الاصطلاحات دون تقديم تعريفات محددة واضحة و حاسمة لهذه المصطلحات , أو حتى لما يريده من يطرحها و يتبناها إن احتج البعض بالتفاوت التنظيري بين التعريفات المختلفة لنفس المصطلح عند أهل الاختصاص .

    و مما يزيد الأمر خطورة هو الحرص على تقديم هذه المصطلحات دوماً في بيئة جدالية محتدمة اللغة من خلال البرامج الحوارية " الجدالية " حيث تكون رغبة البحث عن المعرفة فيها تائهة بين ترقب الجماهير المستثارة المستقطبة و تعطشها للصراخ للأكثر حجة و إفحاماً , حيث يعيد الأمر للأذهان هذا المشهد الهمجي للمتصارعين الرومانيين اللذين كان يجبر كل منهما على محاولة قتل الآخر لكل يستمر هو حياً , و ملايين الأفواه في الاستادات تصيح بآهات النشوى كلما وجه أحد المتصارعين ضربة موجعة للآخر , دون أن يتوقف أحد منهم للحظة سائلاً نفسه " ما جدوى هذه الفنتازيا المثيرة للغثيان؟"

    و المشكلة أن هذه المصطلحات هي نفسها ميدان السجال الحواري , و هي التي تؤدي لحالة من الاستقطاب بين رافضين و مؤيدين من ابناء الوطن , و هي التي تكون سواء من حيث القبول أو الرفض دليل الاتهام بل و مسوغ الحكم الذي يكون عادة بأقصى عقوبة , و تكون مناطاً للتخوين و التجهيل و الولاء و البراء .

    فمثلاً . . حينما تتحدث عن الليبرالية , تجد أن 95% على الأقل ممن يرددون  الكلمة آناء الليل و أطراف  النهار من غير المتخصصين , لا يستطيع أن يذكر لك خمس جمل مفيدة يتحدث بها عن الليبرالية , سواءً من جانب عوام أتباعها أو عوام رافضيها , عوام أتباعها الذين يختزلونها ببساطة مخلة في " الحرية " غير عالمين بما تحمله أصولها التنظيرية بين طياتها من مبادئ هم أول من سيرفضها لو علم بها و و غير عالمين بأن أرقى حرية مسؤولة هي الحرية التي دعا إليها و علمها الإسلام , وعوام رافضيها الذين يختزلها أغلبهم ببساطة مخلة في " الإباحية " غير منتبهين إلى أن بسطاء متبعي الليبرالية من غير المنظرين لها ومن بعض عوام شعبنا العظيم  , ذوو الثقافة المتدينة يرفضون من الليبرالية الجانب الذي لم يطلعوا عليه و الذي يصطدم مع الإسلام , و هم إنما فقط يظنون أنهم يدعون إلى (الحرية) و يالها من كلمة تأخذ الألباب , و يقرهم الإسلام على روعتها و جمالها إذا انضبطت بالدين .

    ثم تحدث الفاجعة , يجتمع هذان الطرفان النقيضان ظاهرياً , و دعواهما واحدة , يجتمعان في حوارات و سجالات مطولة , يتناوشون حول الليبرالية , الأول يدافع عن الليبرالية  و هو متعجب من عداء الثاني للحرية و الثاني يرفضها و يحاربها بقوة و هو مشمئز من دفاع الأول عن الإباحية .
    و يتحول الحوار إلى حوار عبثي بين طرفين , كوميديا سوداء فاجعة , فكلاهما محب للحرية و كاره للإباحية , و كلاهما يحارب في الآخر عدواً لا يوجد إلا في خياله .

    • و حينما يذكر مصطلح "الدولة الدينية" , تجد فريقاً من عوام من يرفضونها , ولا أقول من المنظرين لهذا الرفض , هذا الفريق يرفض الدولة الدينية رفضاً شديداً مستحضراً في ذهنه تلك الدولة الثيوقراطية " التي خدعوة فترجموا له اصطلاحها على أنه دولة دينية بينما الترجمة الحرفية للاصطلاح دولة لاهوتية , و هو ما لا وجود له أصلاً في تاريخ الإسلام " , فهو يرفض أن يكون الحاكم مفوض من قبل الإله في الحكم و من ثم يكون الحاكم هو مصدر التشريع , و يكون ظلمه عدلاً , و عدله تفضلاً , و يحكم رجال الدين " كما حاكم الفاتيكان اوروبا في عصور الظلام " , و على الجانب اخر تجد من يدافع من العوام عن الدولة الدينية و هو مستحضر في ذهنه أنها دولة الإسلام , التي لا تؤله البشر , و التي تجعل الحاكم أجيراً عند الأمة و ليس مشرعاً , فهو تحت القانون , و هو فقط يطبق هذا القانون العادل الذي يسري عليه قبل أن يسري على الأمة , و إن حاد عن هذا القانون المعروف للجميع , يؤاخذ و يسأل , دولة الإسلام التي تمثل أول معرفة للبشر بدولة القانون بشكل ملزم .


      ثم تحدث الفاجعة , يجتمع هذان الطرفان النقيضان ظاهرياً , و دعواهما واحدة , يجتمعان في حوارات و سجالات مطولة , يتناوشون حول الدولة الدينية , الأول يدافع عن الحرية و يكره الاستبداد  و هو متعجب من تمسك الثاني بها  و الثاني يدافع عن العدل و الحرية و يحارب استبداد البشر و تشريعه بالهوى وهو مشمئز من رفض الثاني للشريعة .

      و يتحول الحوار إلى حوار عبثي بين طرفين , لتزداد الكوميديا السوداء سواداً و فجاجة .


      ومع تكرار المشهد , تحدث حالة استقطاب و شرخ مجتمعي , تدمر وحدة المنطلق و الهدف , و تدفع بجموع الشعب المنقادة بالعقل الجمعي المضلل , في مشهد سينمائي هوليودي من تشكيل دائري جماعي متمركز حول مصلحة الوطن , لتحدث إعادة ترتيب لهذه الجموع متباعدة عن المركز الأصيل , و منقادة نحو قطبين و هميين سرعان ما يجتذبان الجموع التائهة المعماة وسط ضبابية الاصطلاح المصطنع , إلى ان يصبح المشهد أقرب إلى مشاهد اصطفاف الجيشين قبل معركة الحسم .

    و تحدث اعتصامات و  . . تظاهرات , و تراشق و تخوين و افتراء  تلعب فيه أجهزة الإعلام الخاصة دور الشيطان الرجيم .

    لكن . . بين هذين الطرفين . . و خلف ستار الإعلام لابد من طرف ثالث . . يحرص على هذه الفوضى . . فمن هو ؟
    في هذه السلسلة من المقالات , نحاول إجابة هذا السؤال و بيان كل مصطلح من المصطلحات محل الاستقطاب بين ما يراد به , و ما يروج له .

    فتش عن المستفيد . . تجد  الفاعل :

    إن المتامل لهذه الظاهرة يجد أنه لابد من أن هناك طرف ثالث دائماً بين كل طرفي سجال فكري من هذا النوع , و في حالتنا تلك لا بد أن هذا الطرف  هو من يسعى لتكريس حالة الاستقطاب  في المجتمع المصري, من خلال هذه الفوضى الاصطلاحية , ومن خلال ضبابية مفاهيمها , بل و يعمل على نسف أي محاولة لتحرير هذه المصطلحات قد تقود بدورها إلى حالة من التوافق المجتمعي و هدوء الخواطر اللملتهبة  دائماً بين الأضداد  .


    و لا يحتاج المرء إلى كثير ذكاء و تأمل حتى يعرف أن هذا الطرف الثالث . . و من ثم المستفيد . .
    لا بد أن يكون هو الطرف الأعلى صوتاً و قدرة على إيصال ما يريد للجموع الثائرة , و حجب ما يريد عنها , و قتما شاء و كيفما شاء.
     إنه الطرف الأكثر نفيراً إعلامياً , و الأقل ظهوراً بين الجماهير الغاضبة .

    الذي يسيطر على وسائل الإعلام و يسخرها لإجهاض اي محاولة لتحرير هذه المصطلحات , أو لتهدئة الخواطر .
    بل و يسعى للصراخ دائماً من خلال آلته الإعلامية لإخفاء الصوت الآخر دائماً إن كان في ظهوره وحدة مجتمعية جديدة حول مصلحة الوطن .

    و إذا كان ذلك كذلك , فلا بد أن نسلم أيضاً أن هذا الطرف بالضرورة , لابد و أنه الأكثر ثراءً ذاتياً أو تمويلاً من أطراف خارجية , لأن الإعلام صناعة تحتاج في نجاحها إلى إمكانات دول و ليس إمكانات افراد .
    و الواقع الإعلامي يشهد بذلك .

  • و هذا الطرف الثالث أدعي , مستصحباً الأدلة و القرائن أنه " النخبة المصطنعة " أو " المتنخبوين "
  • هذا ما نحاول استقراءه في المقال القادم إن شاء الله